الأصول العلمية لمنهج الدعوة
الكاتب : د. علاء الدين الأمين الزاكي
--------------------------------------------------------------------------------
الأصول العلمية لمنهج الدعوة
د. علاء الدين الأمين الزاكي
رئيس قسم الثقافة الإسلامية
جامعة الخرطوم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي رسول الله الأمين وعلي آله وأصحابه أجمعين.أما بعد.
فإن مقام الدعوة يعتبر من أشرف المقامات لأنه مقام الأنبياء عليهم صلوات ربي وسلامه، وبها يصل الحق، ويدفع الباطل، ويعبّد الناس إلى رب العالمين، ويكفي في أهميتها أن الله - عز وجل - قد تولى دعوة الإنسان لكي يسعد في الدارين ، فقال - سبحانه - :( وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ )[1]، وقال - تعالى - : (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ )[2]، وقال سبحانه : ( قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى )[3].
ثم أمر - تبارك وتعالى - رسله بالدعوة إليه فقال: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ )[4] ، وقال:( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ )[5]،وقال:( وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ )[6].
وأمر سبحانه وتعالي المؤمنين بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال - تعالى - : ( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ )[7]، وأنزل - سبحانه وتعالى - الكتب وبينها للناس لعلهم يتذكرون ، وهكذا أقيمت الحجة ،( لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ )[8]، ( قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ )[9]، [(لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ )[10].
ومع أهمية الدعوة تنبع أهمية الاهتمام بها والبحث عن الوسائل المؤثرة في ايصالها للناس،فكانت هذه الورقة المتواضعة لتضع لبنة في الصرح الدعوي حتي يكون صرحاً شامخاً ومؤثراً.
وقد تناولت الورقة العناصر الأتية:ـ
أولاً:مفهوم الدعوة
ثانياً: الدعوة بين الغاية والوسيلة
ثالثاً: مسؤلية الدعوة
رابعاً:الأصول العلمية لمنهج الدعوة
خامساً:الدعوة بين الثابت والمتغير
فنسأل الله تعالي أن يوفق المسلمين للاهتمام بالدعوة نشراً للاسلام وتمكيناً له في نفوس المسلمين إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والله الموفق والهدي إلى سواء السبيل
المبحث الأول:مفهوم الدعوة
أولاً: الدعوة في اللغة: المرة الواحدة من الدعاء، وتداعى القوم دعا بعضهم بعضا حتى يجتمعوا. والدعاة قوم يدعون إلى بيعة هدى أو ضلالة، وأحدهم داع، ورجل داعية إذا كان يدعو الناس إلى بدعة أو دين أدخلت الهاء فيه للمبالغة )[11].
وفي المصباح المنير: (دعوتُ الله دعاء ابتهلت إليه بالسؤال ورغبت فيما عنده من الخير، ودعوت زيداً ناديته وطلبت إقباله. والجمع دعاة وداعون مثل قضاة وقاضون، والنبي صلى الله عليه وسلم داعي الخلق إلى التوحيد)[12] .
وفي المعجم الوسيط: "دعاه إلى الشيء حثه على قصده، يقال: دعاه إلى القتال، ودعاه إلى الصلاة، ودعاه إلى الدين، وإلى المذهب، حثه على اعتقاده)[13] .
ومن هذا يتبين أن الدعوة في اللغة تدور حول الطلب والسؤال والنداء والحث على الشيء ونحو ذلك.
ثانياً:الدعوة في الاصطلاح:
لقد عرفت الدعوة بتعريفات كثيرة أذكر منها مايلي:ـ
قال ابن تيمية رحمه الله : (الدعوة إلى الله هي الدعوة إلى الإيمان به، وبما جاءت به رسله، بتصديقهم فيما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا، وذلك يتضمن الدعوة إلى الشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والدعوة إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره، والدعوة إلى أن يعبُد ربه كأنه يراه)[14].
ولكن يؤخذ علي تعريفه رحمه الله أنه لم يعرّف الدعوة إنما ذكر هدفها.
وعرّفها بعض المتأخرين مثل محمَّد الرَّاوي بتعريفين :
الأَوَّل ، قال : ا لدعوة الإسلامية هي : (دين الله الَّذي بُعث به الأنبياء جميعًا، تجدّد على يد محمَّد صلي الله عليه وسلم خاتم النبيين كاملاً وافيًا لصلاح الدنيا والآخرة .
وقال أَيضًا : الدعوة الإسلامية : تبليغ رسالة النَّبي صلي الله عليه وسلم)[15] .
ويؤخذ عليهما ما أخذ علي التعريف السابق.
وعرّفها الدكتور أبو بكر زكرى فقال :( الدعوة هي : قيام من له أهلية النصح والتوجيه السديد من المسلمين في كلّ زمان ومكان بترغيب النّاس في الإسلام اعتقادًا ومنهجًا ، وتحذيرهم من غيره بطرق مخصوصة) [16].
وقال الدكتور ناصر العقل:( هي السعي لنشر دين الله- عقيدة وشريعة وأخلاقا، وبذل الوسع في ذلك)[17].
وقال محمَّد الغزالي : (هي برنامج كامل يضمّ في أطوائه جميع المعارف الَتي يحتاج إليها النّاس ليُبصروا الغاية من محياهم ، وليستكشفوا معالم الطريق الَتي يجمعهم راشدين )[18].
و التعريفات الثلاثة الأخيرة أقرب إلى الصواب .
فالدعوة هي حركة علمية بطريقة منهجية الغرض منها ايصال الخير الذي هو الإسلام إلي الناس إعتقاداً وعبادة وسلوكاً وأخلاقاً ومعاملة.
المبحث الثاني:الدعوة بين الغاية والوسيلة
إن الدعوة كحركة في ذاتها طريق موصل إلى غاية عظيمة وهي الإسلام،فهي بذلك تكون وسيلة لغاية عظمي،وهي في نفس الوقت تحتاج إلى وسائل فعّالة تسهل مهمتها هذه.
ويمكن القول بأن الدعوة لها غاية وهدف ولها وسيلة ولا بد عند سلوكها من نصب هذه الغاية والبحث عن الوسائل المعينة للوصول إليها.
يقول ابن تيمية:( إن الداعي الذي يدعو غيره إلى أمر ، لا بد فيما يدعو إليه من أمرين:أحدهما : المقصود والمراد.
والثاني :الوسيلة والطريق الموصل إلى المقصود)[19].
ولأهمية الغاية والوسيلة في الدعوة نذكرهما هنا في المطالب الأتية:ـ
المطلب الأول:غاية الدعوة
إن الدعوة وما تشمله من خطط وبرامج ووسائل لا بد لها من تحديد واضح لغايتها حتي لا يختلط الأمر على الناس.
والغاية الأساسية للدعوة هي الإسلام،إما الدخول فيه، وإما التمسك به، يقول ابن تيمية:( يذكر ـ الله تعالي ـ الدعوة تارة إلى الله وتارة إلى سبيله ، فإنه سبحانه هو المعبود المراد المقصود بالدعوة ")[20].
فسمّاها الله تعالي بسبيل الله،في قوله:( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)[21]،وسماها، إلى الله في قوله:( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)[22]،وسماها دعوة إلى الخير فقال تعالي:(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[23].
ومع الخلاف الذي تعيشه الأمة هذه الأيام لا بد من تحديد غاية واضحة تستطع أن تستوعب في داخلها كل التيارات الفكرية المعاصرة.
المطلب الثاني:وسائل الدعوة الإسلامية
إن ثمرة الدعوة تتوقف على قوة تأثير الوسيلة فكلما كانت الوسيلة أقوي كلما كانت الثمرة أعظم. يقول الدكتور الثويني:( والداعية إلى الله مطالب عقلا وشرعاً باستخدام الوسيلة الشرعية المناسبة التي يوصل دعوته إلى المدعوين عن طريقها)[24].ولأهميتة الوسائل في الدعوة خصصتها بالمسائل الآتية:ـ
المسألة الأول:تعريف الوسائل:
الوسائل لغة: جمع (وسيلة ) قال ابن منظور:( الوَسِيلةُ المَنْزِلة عند المَلِك، والوَسِيلة الدَّرَجة، والوَسِيلة القُرْبة ووَسَّل فلانٌ إِلى الله وسِيلةً إِذا عَمِل عملاً تقرَّب به إِليه والواسِل: الراغِبُ إِلى الله ،وهي في الأَصل ما يُتَوَصَّل به إِلى الشيء ويُتَقَرَّب به)[25].فكل مايتوصل به إلي شيء ما، فهو وسيلة.
أما في الاصطلاح:
فمن العلماء من عرفها بمعناها العام ومن العلماء من عرفها بمعناها الخاص.
أما التعريف العام:
فقد قال القرافي : (وموارد الأحكام على قسمين : مقاصد ، وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها ، ووسائل ، وهي : الطرق المفضية إليها)[26].
ولاشك أن الدعوة من أعظم المقاصد الضرورية وفي أعلى مراتب الضروريات وهي حفظ الدين. والطرق المفضية إليها هي الوسائل.
ولكن يؤخذ علي هذا التعريف العام دخول الذرائع والتي هي وسائل إلى مفاسد، ولا يمكن أن تكون من وسائل الدعوة.
وأما الوسائل بالمعني الخاص، فقد عرفها بعضهم بالطرق المفضية إلى تحقيق مصلحة شرعية فقط .)[27]. ولا شك أن تعريف الوسائل بهذا هو الصحيح لخروج الذريعة التي لايمكن أن تتخذ كوسيلة من وسائل الدعوة إلاّ في حالات خاصة ، فيكون هذا التعريف بذلك جامعاً مانعاً.
المسألة الثانية:حكم وسائل الدعوة
إن الشريعة المباركة قد جعلت الأصل في وسائل الدعوة الإباحة إلاّ إذا ورد نص بمنعها،وذلك دعماً لمسيرة الدعوة وتأكيداً على أهميتها.يقول الدكتور مخدوم:( إن مقصود الدعوة الإسلامية هداية الناس وتحقيق المصالح لهم ، فكل وسيلة عادية تؤدي إلى هذا المقصود ، وتحققه دون أن يعارضها نهي شرعي فإنها تكون في دائرة المشروعية والاعتبار)[28]. ومن أقوي الأدلة في هذا الباب قاعدة(الأصل في الأشياء الإباحة ) [29]والمقصود بالأشياء المعاملات لا مطلق الأشياء، والوسائل من المعاملات, قال ابن تيمية:( باستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التى أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع، وأما العادات فهي ما اعتاده الناس فى دنياهم مما يحتاجون إليه و الأصل فيه عدم الحظر، فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه و تعالى و ذلك لأن الأمر و النهي هما شرع الله)[30]. ومعناه أن الوسائل ليست من العبادات بالمعنى الاصطلاحي ليكون الأصل فيها التوقف حتي يرد النص بحلها،بل الأصل فيها الإباحة.
قال العلماء :(إن انتفاعنا بهاـ أي المباحات ـ لايعود علينا بالضرر ولا على غيرنا, وبأن الله عز وجل إنما خلق هذه الأشياء لحكمة لا محالة ولا يجوز أن يكون ذلك لنفع يعود إليه سبحانه , فثبت أنها لنفعنا فيكون مباحاً لنا )[31].وقال البيانوني:(والمختار هو أن الشيء إذا خلا عن الضرر للنفس وللغير فالأصل فيه الإباحة لما جاء في تأييده من الآيآت والأحاديث)[32].والوسائل من جملة ذلك.
وقد وردت أدلة كثيرة تدل على أن الأصل في الأشياء الأباحة، فمن ذلك:ـ
(أ) :قوله تعالي:( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)[33]قال الحموي:( أَخْبَرَ بِأَنَّهُ خَلَقَهُ لَنَا عَلَى وَجْهِ الْمِنَّةِ عَلَيْنَا ، وَأَبْلَغُ وُجُوهِ الْمِنَّةِ إطْلَاقُ الِانْتِفَاعِ فَتَثْبُتُ الْإِبَاحَةُ)[34].
(ب):قوله صلي الله عليه وسلم:( ما أحل الله في كتابه فهو حلال و ما حرم فهو حرام و ما سكت عنه فهو عافية فاقبلوا من الله العافية فإن الله لم يكن نسيا ثم تلا هذه الآية (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا)[35].
(ج):لم يتوقف السلف في الوسائل إلا إذا ورد الدليل بمنعها فالناس قد انتقلوا من الدعوة باللسان إلى التأليف والتدوين ثم التسجيل ولم ينقل عن أحد أنه أنكر ذلك .
أما إذا كانت الوسيلة ممنوعة فلا يجوز استخدامها؛لأن الغاية الشريفة لا تبرر استخدام الوسيلةالممنوعة كما هو عند العلمانيين.
وقد سلك بعض الناس مسلك(الغاية تبرر الوسيلة) فأباحوا كل وسيلة وسلكوا كل طريق،والمعلوم أن هذه الفكرة فكرة إباحية الغرض منها تعدي حدود الله وإلغاء الشرع وإبعاده.وقد قررها ونادي بها من قبل (نيكولا ميكافلي) المولود في فرنسا عام 1469 م في كتابه المسمى ( الأمير)،
وقد رد علي هذه الفكرة الإباحية حتي الغربين, فقال هكسلي عن دعاتها:(إنهم يعبّدون الطريق إلى جهنم, وقال: إن الأغراض الطيبة لايمكن تحقيقها إلا بالوسائل الطيبة وحدها ولايمكن تحقيقها بالوسائل الخبيثة ’إن الغاية لا تبرر الوسيلة)[36]. وعلماء الشريعة قد بينوا ذلك من قبل، فقال العز:( ْ وَالشَّرُّ لَيْسَ قُرْبَةً وَلَا وَسِيلَةً ؛ إذْ لَا يُتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ إلَّا بِأَنْوَاعِ الْمَصَالِحِ وَالْخُيُورِ ، وَلَا يُتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَفَاسِدِ وَالشُّرُورِ ، بِخِلَافِ ظَلَمَةِ الْمُلُوكِ الَّذِينَ يُتَقَرَّبُ إلَيْهِمْ بِالشُّرُورِ ، كَغَصْبِ الْأَمْوَالِ وَقَتْلِ النُّفُوسِ ، وَظُلْمِهِمْ الْعِبَادَ ، وَإِفْشَاءِ الْفَسَادِ وَإِظْهَارِ الْعِنَادِ ، وَتَخْرِيبِ الْبِلَادِ)[37]،وقال العنزي:( ذهب فريق إلى استنفار جميع ما يمكن من وسائل وأساليب في سبيل الوصول إلى الغاية ، بغض النظر عن حِل الوسيلة أو عدم جوازها ، وهم يسيرون على قاعدة الغاية تبرر الوسيلة ، سواء قالوها بألسنتهم أو ترجمتها أفعالهم ، ولذلك تجد هذا الصنف، كثير التخبط والتقلب والترحل في أمور الدنيا والدين ، ويغلب على من سلك هذا السبيل الطيش ، والعجلة ، والتهور ، والمغامرة) [38].
وتكون الوسيلة ممنوعة في عدة حالات منها:ـ
أولاً:إذا ورد النص بتحريمها ،كالمولاة المحرمة تتخذ وسيلة للدعوة لقوله تعالي:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)[39]،وكالخمر تجعل وسيلة لا استقطاب الناس لأن الخمر لا خلاف في حرمتها.
ثانياً:أن تكون الوسيلة في ذاتها مفسدة وإن لم يرد فيها نص شرعي بحرمتها، ولكن عرف من واقع الحال أنها مفسدة .كالرقص مثلاً.
ثالثاً:أن تكون الوسيلة صحيحة ولكنها مفضية إلى مفسدة علي وجه القطع أو الظن الغالب، وبهذا قد أصبحت ذريعة.كدعوة النساء باللسان إذا تيقن أو غلب على ظنه الداعية الفتنة.
المبحث الثالث:مسؤلية الدعوة
تقع مسؤلية الدعوة على عاتق كل مسلم شهد ألا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله والأدلة علي ذلك كثيرة منها مايلي:ـ
أولاً: قوله:( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)[40].
ثانياَ: قوله تعالي:( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)[41].
قال ابن كثير:( يقول الله تعالى لعبده ورسوله إلى الثقلين الإنس والجن، آمرًا له أن يخبر الناس أن هذه سبيله، أي طريقه ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بَصِيرة من ذلك، ويقين وبرهان، هو وكلّ من اتبعه، يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم على بصيرة ويقين وبرهان شرعي وعقلي.)[42].
وقال الرازي:( وسيرة أتباعي الدعوة إلى الله ، لأن كل من ذكر الحجة وأجاب عن الشبهة فقد دعا بمقدار وسعه إلى الله)[43].
ثالثاً:عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ )[44].
رابعاً:عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « بَلِّغُوا عَنِّى وَلَوْ آيَةً ، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ )[45].

رد مع اقتباس
وَلَوْ آيَة " أَيْ وَاحِدَة لِيُسَارِع كُلّ سَامِع إِلَى تَبْلِيغ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ الْآي وَلَوْ قَلَّ لِيَتَّصِل بِذَلِكَ نَقْل جَمِيع مَا جَاءَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)[46].